جريدة الاقتصاديه
د. عبد العزيز بن عبد الله الخضيري - كاتب متخصص في التنمية 26/06/1429هـ
alkhedheiri@hotmail.com تسمع حكاية أو تقرأ عنها أو يحدثك عنها من عاشها تستغرب حقيقة حدوثها، حدثنا قال كنت أبحث عن منزل لأشتريه ووصيت من وصيت للبحث عن ذلك المسكن وكثرة العروض عن مختلف المساكن إلا أن ما صعقني هو أن يتقدم إليك شخص بعرض يطلب منك أن تسرقك، سأل وكيف ذلك: قال: جاءني أحد الأشخاص ممن يملكون مكتبا عقاريا يعرض علي صفقة يرى من خلالها أنني وإياه مستفيدان بشكل مباشر، بل أكد لي أنني المستفيد الأكبر في الصفقة المزعومة.
الصفقة هو أن يشتري لي المنزل المطلوب بمبلغ يزيد على السعر الحقيقي بخمسة ملايين ريال، سألته وكيف أقبل ذلك وأين المكسب لي، قال المنزل معروض بـ 15 مليون ريال وسأطلب من البائع أن يطلب 20 مليون ريال تأخذ أنت أربعة ملايين وأنا الدلال آخذ مليون ريال، قلت له ما زلت لم أفهم منزل يعرض بـ 15 مليون وأدفع فيه 20 مليون تأخذ أنت منها مليون أين مكسبي أنا، قال: الأربعة ملايين ريال الأخرى، قلت له ولكنني دافع المبلغ كله فكيف أكسب أربعة ملايين، نظر إليّ باستغراب وقال أليست الحكومة هي التي ستشتري لك المنزل، قلت له لا أنا من سيشتري المنزل، نظر إلي باستغراب للمرة الـ 20 ثم قال أنا آسف كنت أتوقع أن الحكومة ستشتري لك المنزل فقلت أستفيد وتستفيد "ويا دار ما دخلك شر"، قلت له بل هو كل الشر تريدني أن أسرقني ثم تقول ذلك.
تأملت كلام محدثنا كثيرا وكيف روى لنا أن صاحب المكتب العقاري أو الدلال يحاول أن يسرقه من خلال نفسه، هذا الموقف المؤلم أثار في ذهني سؤالاً سريعا وبديهيا، هل كل مشاريعنا وأعمالنا يتم العمل بها ومعها وفقا لسياسة العقاري المذكور، وهل حقيقة أن بعض تلك المشاريع يدفع فيها عمولات تفوق قيمتها الحقيقية، وهل ثقافة "يسرقني" هي الثقافة السائدة في العديد من مشاريعنا بمعنى هل حقيقة أننا "نسرقنا" من خلال أخذ العمولات والرشاوى, أو كما يحلوا للبعض بتسميتها الهدايا أو التسهيلات أو الامتيازات أو... أو... ضمن المشاريع التي تقع تحت مسؤوليته ويد كل واحد منا.
كثيرا ما نسمع عن تلك العمولات حتى إن الحديث عنها أصبح يردنا من الخارج من خلال الاستعجاب أو الاستغراب من أننا نسرق أنفسنا عندما نطلب عمولات لمشاريع ندفع نحن قيمتها, وتنفذ في بلادنا بمعنى أننا نقف عائقا أمام تنفيذ مشاريع سليمة ومتميزة بسبب تلك العمولات والرشاوى، هذا من جهة, ومن جهة أخرى ما أصبح عائقا في استقطاب العديد من الشركات المرموقة التي يذكر المسؤولون عنها أن سبب الإحجام أو النفور عن العمل في المملكة هو ارتفاع نسبة العمولات المطلوبة لتنفيذ المشاريع، هذه العمولات تأتي على أشكال مختلفة من شركات دون دفع النسبة فيها أو أخذ مبالغ مباشرة مقابل إعطاء الفرصة لتلك الشركات للعمل في المملكة إلى غيرها من أساليب السرقة التي نمارسها على أنفسنا.
وقفت كثيرا متأملاً ومتألما من مقولة محدثنا " يطلبني أن أسرقني" وكيف أن مثل هذا الفكر الضال المنحط هو ما يقود مشاريعنا نحو الإفلاس ويؤدي بنا إلى التأخر والتخلف ومقت الذات، مهما كان المسروق صغيرا أو قليلا فإن تأثيره في المنتج كبير، صغر أو كبر ذلك المنتج.
كم واحد ممن سيقرأ هذا المقال سيقول إنني أعرف واحدا ممن ينطبق عليهم مقولة "يطلبني أن أسرقني" وكم واحد فعلاً مارسها, وأثرت تلك الممارسة فيما يقوم به من عمل, وأدت إلى تأخر ذلك العمل أو المشروع أو إلغائه، والحقيقة أن العديد, وربما أقول الكثير من مشاريعنا تتعرض لمثل هذا الحدث، والسرقة هنا قد تكون مباشرة بأخذ الرشوة مقابل طرح المشروع دون الاهتمام بالتنفيذ وفقاً لقاعدة "أنا ومن بعدي الطوفان" أو أن تكون بطريقة غير مباشرة من خلال المماطلة في تنفيذ المشاريع والاستفادة عن مبالغها لأعمال أخرى ليس لها صلة بالمشروع المدفوع له المبلغ، الحقيقة المرة التي نعترف بها جميعاً أننا نمر بمرحلة أزمة إدارية لا تراعي حق الله في العمل ثم تحترم حقوق المواطنين في مشاريع متميزة تعيش معهم وبهم لسنوات عديدة بدلاً من مشاريع تبدأ الصيانة بها قبل انتهاء إنشائها، ولعل الشواهد على مثل هذه المشاريع عديدة لا يسمح المقال ولا المقام لذكرها وذكر آثارها السلبية على حقوق التنمية الصحيحة المتوازنة.
إن الحديث عن مفهوم "يطلب منا أن نسرقنا" حديث يطول الشرح والإيضاح فيه ويكفي أن يلتفت كل واحد منا حوله ليرى مثل تلك المشاريع التي تتعرض للسرقة، ويكفي كل واحد منا أن يقرأ ما يكتب في الصحافة عن تلك المشكلات، ويكفي كل واحد منا أن يطلع على ما يذكر في العديد من مواقع الإنترنت لنعرف جميعاً حجم المشكلة والحاجة إلى حلها من خلال قنوات مسؤولة أمام الله سبحانه وتعالى أولا ثم أمام قيادات هذا البلد الحبيب ومواطنيه البسطاء, ولعلي أختم بسؤال بسيط وهو أين أجهزتنا الرقابية عن مثل هذا السلوك المشين؟
مجرد سؤال!! والله من وراء القصد.