أظهرت دراسة أجرتها كلية الاقتصاد في جامعة كارنيجي ميلون أن النساء أسوأ من الرجال في عملية التفاوض على الأجور، كما أبانت نتائج الدراسة أن تدني مهارة التفاوض لدى النساء فيما يتعلق بالأجور أحد أسباب تدني رواتبهن مقارنة بالرجال, وأشارت الدراسة إلى أن النساء لا يملكن شروط التفاوض المتوافرة لدى الرجال حتى في حال كان الجانبان يمران بظروف متشابهة, وعللت الدراسة سبب تفوق الرجال في هذا الجانب إلى خشونة الرجل واندفاعيته وجرأته في المفاوضات، وأن معاناة النساء تعود إلى عدم استخدامهن كل إمكاناتهن التفاوضية المتاحة, فيما عزت إخصائية نفسية أسباب ضعف المرأة في مجتمعنا في هذا الجانب إلى التنشئة الأسرية, في الوقت الذي طالب فيه عدد من الموظفات بتدريب الطالبات في المراحل الجامعية النهائية على المهارات اللازمة لدخول سوق العمل ومن ضمنها مهارة التفاوض على الأجر.
كما بينت الدراسة التي أجرتها بروفيسورة الاقتصاد في الجامعة لندا بابكوك أن النساء اللائي يعملن دواما كاملا، يحصلن على نحو 77 في المائة من مرتبات الرجال الذين يعملون بدوام كامل أيضا، مع العلم أن هذه النسبة لم تأخذ بعين الاعتبار المهن المختلفة والمستوى التعليمي. وفي حال أخذت عوامل التعليم وغيرها من الأمور بعين الاعتبار، وإن كانت النساء يعملن دواما كاملا ولم يأخذن إجازة وضع طول مسيرة حياتهن العملية، فإنهن يحصلن على مرتبات تقل بنحو 11 في المائة من الرجال الذين يتساوون معهن بالدرجة نفسها من التعليم والخبرة.
وذكرت الدراسة أن غالبية المديرين الذين شملهم الاستطلاع لا يرغبون في العمل مع النساء اللاتي يفاوضن من أجل الزيادة في المرتب، وأنهم يفضلون العمل مع النساء اللاتي لم يفاوضن، أما بالنسبة للرجال فإن العملية لا تخلق لهم فرقا سواء فاوض الرجل أو لم يفاوض.
وأوضحت نتائج الدراسة أنه عادة ما تكون المرتبات الأولية لكل من النساء والرجال متقاربة وتكون الفوارق في مرتباتهم محدودة، لكن هذه الفوارق الصغيرة قد تكون ضخمة على المنظور البعيد, حيث شملت الدراسة مجموعة من الطلبة الخريجين من الحاصلين على درجة الماجستير، ووجهت لهم أسئلة حول ما إذا كانوا قد قبلوا بالمرتبات التي عرضت عليهم، أو أنهم فاوضوا من أجل الحصول على مرتب أفضل، فجاءت النتائج أن 51 في المائة من الرجال فاوضوا، مقابل 12.5 في المائة من النساء قلن إنهن يجاهدن من أجل الحصول على راتب أفضل، مع العلم أن النساء اللاتي فاوضن حصلن على 7.4 في المائة زيادة على مرتباتهن من النساء اللاتي لم يفاوضن.
من جانبه، علق الدكتور محمد الحربي مختص في الموارد البشرية على نتائج الدراسة بقوله إنها تعكس الواقع الحقيقي وفيما لو نظرنا إلى هذا الموضوع في مجتمعنا العربي فسنجد أن أسبابه معروفة لأننا شعوب ذكورية ولأن الرجل يستطيع التحاور مع ابن جلدته من الذكور بكل سهولة وذلك يخوله للنجاح بكل المقاييس بالمفاوضات بعكس المرأة, مضيفا أن هنالك عددا من الاختلافات بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بعملية التفاوض منها الاجتماعية الموجودة داخل البيت، حيث تربى على أن الرجل أفضل منها في كل شيء وأنه هو الذي يأمر وينهي بكل شيء, ومنها التعليمية داخل المدرسة باختلاف المناهج التعليمية مما يصعب فهم الجنسين للأمور الذكور والأنثوية.
تربية مختلفة بين الأولاد والبنات
وفي هذا الصدد ذكرت منيرة الهذلول إخصائية نفسية أن الفوارق بين الرجال والنساء تعود إلى سيكولوجية النساء، وأسلوب التنشئة في مرحلة الطفولة الذي يحولهن إلى نساء راشدات تغلب عليهن العاطفة ولا يفكرن في أنفسهن بقدر تفكيرهن في الغير, إضافة إلى الأدوار التي تعطى لهن خلال مرحلة نموهن والأنماط السائدة في التعامل معهن كل ذلك يؤثر بشكل مباشر في توجهاتهن التفاوضية, مبينة أن البنت تربى من صغرها على أن تكون أكثر لطفاً وأكثر تحفظاً، بينما يربى الأولاد على أن يكونوا أشد اندفاعاً وأكثر ثقة, فالمجتمع يتوقع من البنت أن تتعامل مع الأمور بشكل يختلف كليا عن الولد وهذا ينعكس بشكل مباشر على تصرفات كلا الجنسين في الحياة بشكل عام وفي العمل كذلك.
وتضيف الهذلول أن هناك عوامل أخرى تؤثر في قدرة المفاوض سواء كان رجلا أو امرأة و ترجع إلى تدني مستوى الثقة بالنفس وتوقع الفشل والخوف من الوقوع فيه ما يجعل الشخص يحجم عن الدخول في المفاوضات.
مضيفة بقولها: بالنظر إلى مجتمعنا نجد أن المرأة تقدمت في كثير من مجال العمل وأصبحت أكثر وعيا وإدراكا لحقوقها والمطالبة بها, إلا أنها عادت لتؤكد أن المرأة إذا كانت تعمل في قسم يتبع لإدارة رجالية فإنه من الصعب عليها التفاوض بحرية كافية كما لو كانت إدارتها نسائية بحتة, مضيفة أن المفاوضات تحتاج إلى عدد من الأدوات قد لا تتوافر لدى كثير من الموظفات بسبب تقصير الأسرة والمؤسسات التعليمية في تنمية هذا الجانب، مؤكدة أن مهارة التفاوض مهارة مكتسبة يمكن أن تنمى في الفرد من خلال التدريب.
واستطردت الهذلول بقولها: إن الانطباع السائد بين الناس بأن النساء مفاوضات أسوأ من الرجال وأكبر دليل على ذلك تدني أجور النساء مقارنة بالرجال الذين يعملون في الوظيفة نفسها ويحملون المؤهلات العلمية والخبرات نفسها,إلا أنها عادت لتؤكد أن المستقبل يوحي بأن وضع النساء سيكون أفضل من الوقت الحالي، حيث أصبحت المرأة العربية أكثر وعيا وتطلعا لمستقبل مهني واعد لذا نرى الكثير من الدورات التدريبية التي تتعلق بتنمية مهارات الموظفين منتشرة بشكل واسع في الوقت الحالي، كما أن إقبال الموظفات الكبير للالتحاق بهذه الدورات دليل على وعيهن بضرورة التغيير وتحسين وضعهن في مجال العمل.
وتعود الهذلول لتؤكد أن المرأة تمتلك صفات تميزها لو استغلتها بالشكل المطلوب لحققت مستوى عاليا في التفاوض مثل القدرة على استيعاب الشخص الذي أمامها والتعاطف معه وحسن الاستماع.
محاولات فاشلة وحساسية في الحديث عن الأمور المالية
وحول الأسباب ذكر عدد من الموظفات اللاتي تم استطلاع آرائهن أن عدم تقبل إداراتهن للمفاوضات أو مقابلة طلباتهن بالرفض جعلهن يحجمن عن تكرارها، إضافة إلى قلة فرص العمل المتاحة والبدائل كل هذا جعلهن يقبلن بالأجور التي لا تناسب مؤهلاتهن وخبراتهن رغم شعورهن بالظلم, فيما ذكر بعضهن أنهن لا يمتلكن مهارة التفاوض خاصة فيما يتعلق بالأجور والبعض ذكرن أنهن يصعب عليهن مجرد الحديث في هذا الأمر لشعورهن بأن الحديث في الأمور المالية يقلل من قيمتهن.
وعن تجربتها قالت منيرة الصالح إنها كانت تعمل في مدرسة أهلية كمراقبة مع أنها تحمل شهادة بكالوريوس وتقدمت لوظيفة مرشدة طلابية, وتضيف عملت لفترة كمراقبة بمرتب متدن كفترة مؤقتة حتى يتم تحويلي إلى وظيفة كمرشدة وبالفعل بعد نحو عام حولت للعمل مرشدة طلابية ولكن المرتب لم يتغير وعندما حاولت مناقشة الإدارة بالأمر قالت لي المسؤولة إن علي أن أثبت نفسي في الوظيفة الجديدة أولا بعد ذلك ينظر في أمر زيادة المرتب مع أنه من المتعارف عليه أن مرتب المرشدة أكبر من مرتب المراقبة ومن ضمن الأسباب التي ذكرتها أنها لا تملك القدرة على البت في هذا الموضوع حيث إن الإدارة الرئيسية للمدارس في قسم الرجال وهم من يبتون عادة في مسائل المرتبات وغيره, مطالبة بوضع قوانين واضحة تلزم رب العمل التقيد بسلم مرتبات معين بحسب الوظيفة والمؤهل والخبرة وإلا يترك الأمر وفقا لأهواء المسؤولين.
من جانبها، ذكرت نوف الخليفة أنها كانت تعمل في إحدى الشركات وفي إحدى المرات اكتشفت أن مرتبات الموظفين الرجال الذين يعملون في نفس وظيفتها في الشركة ومؤهلهم أقل منها يتقاضون مرتبات أعلى من مرتبها ولكني لم استطع أن أتحدث مع مديري في العمل في هذا الجانب لشعوري بأن حديثي في الأمور المالية يقلل من شأني كما أني لم أعتد على التفاوض ولا أملك المهارات اللازمة لذلك خاصة في الأمور المالية لذا فضلت البحث عن وظيفة أخرى بمرتب يتناسب مع مؤهلي وخبرتي, مقترحة أن تقوم الجامعات والمعاهد بتدريس طالباتها في المراحل النهائية المهارات اللازمة لدخول سوق العمل والنجاح فيها ومن ذلك مهارة التفاوض التي تحتاج إليها كل موظفة أياً كان مجالها.
نجاح التفاوض يتطلب اختيار الوقت وإتقان الأسلوب الصحيح
يعود الدكتور الحربي ليؤكد أن المفاوض الناجح يتميز بعدة صفات ولكي تنجح المرأة كمفاوضة عليها أن تتقن مهارات التفاوض, ملخصا صفات المفاوض الناجح في اختيار الوقت المناسب للتفاوض وتحديد موعد مسبق مع المفاوض وترتيب الأمر المراد التفاوض فيه قبل البدء في التفاوض والتحدث بثقة كبيرة وعدم التقليل من الشخص المقابل وعدم رفع الصوت عند الحديث, مشيرا إلى أن على المرأة أن تعالج مشكلاتها بنفسها ولا تنتظر المبادرة من الخارج وأن تسعى للحصول على حقوقها المسلوبة ولكن بطريقة لبقة وعملية.
الاقتصادية