تفترض المقاولة من الباطن وجود عقدين متميزين يستقل أحدهما عن الآخر، العقد الأول هو عقد المقاولة الأصلي المبرم بين رب العمل والمقاول الأصلي والعقد الثاني هو عقد المقاولة من الباطن وهو لاحق بالضرورة على عقد المقاولة الأصلي ، ببرم بين المقاول الأصلي ، ومقاول آخر هو المقاول من الباطن
وعلى الرغم من إستقلال كل من العقدين ـ عقد المقاولة الأصلي وعقد المقاولة من الباطن ـ عن العقد الآخر ، من حيث إبرامه ومن حيث أشخاصه ، إلا إنهما يشتركان معاص في محل العقد وموضوعه ، وهو القيام بعمل معين لصالح رب العمل وهو الذي يوكل تنفيذة في النهاية إلى المقاول من الباطن
ونظراً لإستقلال عقدي المقاولة ـ عقد المقاولة الأصلي المبرم بين رب العمل والمقاول الأصلي ـ وعقد المقاولة من الباطن المبرم بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن ، ولعدم وجود تعاقد مباشر بين رب العمل والمقاول من الباطن ، فلا تنشأ بينهما علاقات تعاقدية مباشرة ـ بحسب الأصل ـ فلا يملك رب العمل أن يطالب ـ بإسمه ـ المقاول من الباطن بتنفيذ المقاولة ، ولا يملك المقاول من الباطن أن يطالب ـ بإسمه ـ رب العمل بتنفيذ التزاماته التي يفرضها عليه عقد المقاولة الأصلي
غير أنه إذا كان لا تقوم بين رب العمل والمقاول من الباطن علاقات تعاقدية مباشرة ، لإنعدام العلاقة التعاقدية بينهما ، فإن ذلك لا يحول دون إمكان مطالبة كل منهما الآخر بما يقع عليه من التزامات تجاه المقاول الأصلي ، وذلك عن طريق الدعوى غير المباشرة التي تجيز للدائن مطالبة مدين مدينة بما يكون مستحقاً لمدينة لده بإعتبار أن المقاول الأصلي يكون مديناً بالتزامات معينة لكل من رب العمل إستناداً على عقد المقاولة الأصلي ، والمقاول من الباطن ، إستناداً إلى عقد المقاولة من الباطن
بيد أن إستعمال الدعوى غير المباشرة ليس محمود العواقب دائماً ، بل هو طريق محفوف بالمخاطر ، لذلك تدخل المشرع وأقر ـ في حدود معينة ـ قيام علاقة قانونية مباشرة بين المقاول من الباطن ورب العمل ، حافظ بمقتضاها على حقوق الأول تجاه الثاني ، فأنشأ المشرع بذلك دعوى مباشرة للمقاول من الباطن تجاه رب العمل
ولما كان تدخل المشرع لإقرار العلاقة القانونية المباشرة بين المقاول من الباطن ورب العمل محدود النطاق ، لا يشمل جميع حقوق وإلتزامات كل من الطرفين تجاه المقاول الأصلي ، الوسيط بينهما ن فقد ظهر إتجاه فقهي وقضائي حديث يطالب بتعميم الدعوى المباشرة بين الطرفين رب العمل والمقاول من الباطن ، مستنداً في ذلك إلى إمتداد المسئولية العقدية لتشمل ليس فقط المتعاقدين الذين أسهما مباشرة في إبرام العقد ، وإنما كل أطراف العقود التالية للعقد الأصلي ، طالما كان محلها هو نفس محل العقد الأصلي
ولم تقتصر حماية المشرع للمقاول من الباطن على منحه دعوى مباشرة في مواجهة رب العمل ، بل منحه عدة مزايا أخرى تتمثل في الآتي :
- تجميد حقوق المقاول الأصلي لدى رب العمل
- تقرير حق إمتياز للمقاول من الباطن في حالة حجزه على مال تحت يد رب العمل
- تقرير حق إمتياز للمقاول من الباطن على المنشآت التي يقيمها
وإذ كان الأصل العام هو عدم قيام علاقات تعاقدية مباشرة بين رب العمل والمقاول من الباطن ، في الحدود التي أشرنا إليها ، ومن ثم إنعدام المسئولية التعاقدية فيما بينهما ، كأصل عام ، فإن ذلك لا يحول دون قيام المسئولية التقصيرية لأحدهما تجاه الآخر ، إذا ما توافرت شروطها ، بأن صدر من إحدهما ، أومن أحد تابعية الذين يسأل عنهم ، فعل خاطئ أو موجب للمسئولية سبب ضرراً للآخر
والقواعد التي أشرنا إليها ، والتي تحكم العلاقة بين رب العمل والمقاول ، تطبق أياً كان رب العمل ، أي سواء أكان شخصاً عادياً أم كان جهة من جهات الإدارة ، غير أن الصالح العام يقتضي في بعض الحالات ، تخويل جهة الإدارة سلطات إستثنائية تمليها إعتبارات المصلحة العامة ، ويظهر ذلك بصفة خاصة في عقود الأشغال العامة وعقود الإمتياز التي تبرمها الجهات الإدارية
تلك هي القواعد التي تنظم العلاقة بين المقاول من الباطن ورب العمل ، التي نتعرض لها تباعاً بشيء من الإيجاز ، بعد أن نمهد لذلك بكلمة عن المقصود بالمقاولة والمقاولة من الباطن
المقاولة عقد يتم بالرضاء والإتفاق ، بمقتضاه يلتزم أحد طرفيه ـ وهو المقاول ـ بالقيام بعمل معين ، مستقلاً وبأسمه الخاص ـ لحساب الطرف الآخر ـ رب العمل ـ في مقابل أجر معين
فلكي تقوم المقاولة لا بد من توافر العنصرين الآتيين :
الأول : قيام المقاول بالعمل إستقلالاً عن رب العمل ، أي دون أن يكون نائباً عنه أو تابعاً له
الثاني : إستحقاق المقاول أجر مقابل العمل الذي يقوم به وما يتكبدة من نفقات في سبيل إنجازه
ويفرض عقد المقاولة على طرفيه ، المقاول ورب العمل ، إلتزامات محددة ، فيلتزم المقاول بالآتي :
1- إنجاز العمل طبقاً للشروط الواردة في العقد وفي المدة المتفق عليها
2- تسليم العمل المطلوب إنجازه في المكان والوقت المتفق عليهما
3- ضمان عيوب العمل الذي قام به وفقاً لأحكام ضمان البائع للعيوب الخفية في المبيع ، فإذا كانت المقاولة تتعلق بالمباني والإنشاءات ، تحمل المهندس أو المقاول الضمان العشري الذي نظمته المادة ( 692) منن القانون المدني
ويلتزم رب العمل بالإلتزامات الآتية :
- تمكين المقاول من إنجاز العمل ، فيلتزم رب العمل بأن يبذل كل ما في وسعه لتمكين المقاول من إنجاز العمل المتفق عليه
- تسلم العمل بعد إنجازه وفقاً للمألوف في التعامل ، فإذا إمتنع دون سبب مشروع وبعد إخطاره اعتبر أن السليم قد تم
- دفع الأجر للمقاول ، ويتم الدفع عند تسلمه للعمل ما لم يقض العرف أو الاتفاق بغير ذلك
المقاولة من الباطن :
أجاز المشرع الكويتي المقاولة من الباطن من حيث الأصل العام ولم يحظرها إلا استثناءاً فوفقاً للمادة ( 681 ) من القانون المدني :
(( يجوز للمقاول أن يكل تنفيذ العمل في جملته أو في جزء منه إلى مقاول من الباطن إذا لم يمنعه من ذلك شرط في العقد أو كان من شأن طبيعة العمل أن تكون شخصية المقاول محل إعتبار ))
فالمقاولة من الباطن لا تحظر إلا في الحالتين الآتيتين :
- إذا إشترط رب العمل على المقاول الأصلي عدم التعاقد من الباطن
- إذا كانت شخصية المقاول محل إعتبار في تنفيذ العمل محل المقاولة
فإذا لم تكن المقاولة من الباطن محظورة ، وقام المقاول الأصلي بإبرام عقد مقاولة مع مقاول آخر من الباطن فإن هذه المقاولة الأخيرة لا تؤثر في إلتزامات المقاول الأصلي تجاه رب العمل ، بل يظل المقاول الأصلي مسئولاً عن تنفيذ كافة إلتزاماته ، كما يحتفظ بكافة حقوقه تجاه رب العمل
المقاولة من الباطن ، وإن كانت تفترض بالضرورة توافر عقدين أولهما عقد المقاولة الأصلي الذي يربط رب العمل بالمقاول الأصلي ، ومع هذا العقد يكون المقاول من الباطن غيراً ، أي أجنبياً عنه ، فلا يكسب حقاً من حقوقه ، ولا يتحمل أياً من التزاماته
والعقد الثاني هو عقد المقاولة من الباطن الذي يربط المقاول الأصلي بالمقاول من الباطن ، ومع هذا العقد يكون رب العمل غيراً أجنبياً عنه ، وذلك ما لم يقبل رب العمل عقد المقاولة من الباطن ، صراحة أو ضمناً ، فيحل بذلك محل المقاول الأصلي في حقوقه والتزاماته تجاه المقاول من الباطن ، وعندئذ نواجه حوالة لعقد المقاولة الأصلي ليصبح بين رب العمل والمقاول من الباطن ، الذي يصبح مقاولاً أصلياً بعد أن كان العقد بين رب العمل والمقاول الأصلي ، الذي يختفي من عملية المقاولة كلية
وفي هذه الحالة ، أي في حالة حوالة عقد المقاولة الأصلي تنشأ علاقات تعاقدية مباشرة بين رب العمل والمقاول من الباطن الذي يصبح مقاولاً أصلياً ، فيستطيع هذا الأخير أن يطالب رب العمل مباشرة بالتزاماته التي كان يتحملها تجاه المقاول الأصلي الذي حل محله
أما في حالة عدم حوالة عقد المقاولة ، وهو الفرض المعتاد للمقاولة من الباطن ، فيظل المقاول من الباطن أجنبياً عن رب العمل ، لا تربطهما علاقات تعاقدية مباشرة ، لعدم وجود عقد يربطهما معاً ، وتقتصر العلاقات التعاقدية المباشرة على العلاقة بين رب العمل والمقاول الأصلي من ناحية ، والعلاقة بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن من ناحية أخرى
ويترتب على إنعدام العلاقة التعاقدية المباشرة بين رب العمل والمقاول من الباطن النتائج الآتية :
أولاً : لا يملك رب العمل مطالبة المقاول من الباطن ، مباشرة ، أي بأسمه ، تنفيذ ما يقع عليه من التزامات تجاه المقاول الأصلي تتعلق بتنفيذ العمل محل المقاولة بناء على ذلك لا يملك رب العمل أن يطالب المقاول من الباطن بإنجاز العمل محل المقاولة ، لا يملك ذلك بمقتضى عقد المقاولة الأصلي لأن المقاول من الباطن لم يكن طرفاً فيه ، ولا يملك ذلك بمقتضى عقد المقاولة من الباطن لأنه ـ أي رب العمل ـ لم يكن طرفاً في هذا العقد
والحكم السابق يطبق أيضاً بالنسبة لسائر التزامات المقاول من الباطن ، كالإلتزام بتسليم العمل والإلتزام بالضمان كأصل عام
ثانياً : لا يملك المقاول من الباطن أن يطالب رب العمل مباشرة بتنفيذ إلتزاماته التعاقدية تجاه المقاول الأصلي ، فهذه الإلتزامات مصادرها عقد المقاولة الأصلي بالمبرم بين رب العمل والمقاول الأصلي ، ولأن المقاول من الباطن لم يكن طرفاً في هذا العقد فلا يمكنه المطالبة بحق لم يقرره له
بناء على ذلك لا يملك المقاول من الباطن أن يطالب رب العمل ، مباشرة وبأسمه تمكينة من إنجاز العمل أو تسلمه للعمل بعد إنجازه
ثالثاً : عدم قيام المسئولية التعاقدية بين رب العمل والمقاول من الباطن ، فالمسئولية التعاقدية تقوم نتيجة إخلال أحد المتعاقدين بإلتزام يفرضه عليه العقد المبرم بينهما ، ولأن رب العمل لا يرتبط مع المقاول من الباطن بعقد ، فلا تتحقق المسئولية التعاقدية لأحدهما تجاه الآخر
يترتب على إنعدام المسئولية التعاقدية بين رب العمل والمقاول من الباطن ، عدم مساءلة المقاول من الباطن أمام رب العمل عن عدم تنفيذ المقاولة من الباطن ، مسئولية عقدية ، ذلك أن رب العمل يعد من الغير بالنسبة لعقد المقاولة من الباطن
كما لا يسأل رب العمل أمام المقاول من الباطن من عدم تنفيذه للإلتزامات التي يفرضها عليه عقد المقاولة الأصلي المبرم بينه وبين المقاول الأصلي ، لأن المقاول من الباطن لم يكن طرفاً في هذا العقد
وضحنا أن الإتجاه التقليدي في المسئولية التعاقدية يقصر نطاق هذه المسئولية على طرفي العقد ، ويحدد الطرف المتعاقد بكل من ساهم في إبرام العقد ، أما غيرهم مما لم يساهم في إبرام العقد فيكون من الغير ، فلا يمكنه الإستناد إلى العقد ـ الذي لم يشارك فيه ـ حتى ولو لحقه ضرر من جرائه ، كأن كان قد إرتبط بعلاقة تعاقدية مع أحد أطراف العقد ، كما هو الحال مع المقاول من الباطن ، فقد يصيبه ضرر أثر عدم تنفيذ عقد المقاولة الأصلي المبرم بين رب العمل والماقول الأصلي الذي تعاقد معه من الباطن ، فوفقاً للإتجاه التقليدي لا يمكن للمقاول من الباطن الإتناد على عقد المقاولة الأصلي للرجوع على رب العمل
ونظراً لما يترتب على ذلك الإتجاه التقليدي من عيوب وقصور في الحماية في العديد من الحالات ، فقد ذهب إتجاه حديث ـ في الفقه والقضاء ـ نحو التوسيع في مجال الرابطة العقدية ، لا يقصرها على من ساهم في إبرام العقد ، بل يمدها إلى كل من يساهم في تنفيذ العقد أيضاً
ووفقاً لهذا الإتجاه يقتصر الغير الذي لا يمكنه الإستناد إلى المسئولية التعاقدية على الأجنبي عن العلاقة التعاقدية منذ بداية تكوينها وحتى لحظة الإنتهاء من تنفيذها أي الذي لا يكون له دور في تكوين العلاقة التعاقدية ولا في تنفيذها
أما من كان أجنبياً عن إبرام العقد ، ولكنه ساهم في تنفيذه فهو يستفيد من العقد ولا يعد أجنبياً كلية عنه ، ويعد في حكم المتعاقد
تطبيقاً لهذا الإتجاه الموسع في نطاق المسئولية التعاقدية ، فإن مباشرة الدعوى العقدية ، إستناداً إلى عدم تنفيذ عقد ما لا تقتصر على الطرف المتضرر من طرفي العقد الذي لم ينفذ ، بل تمتد لتشمل كل من تضرر من عقد آخر مرتبط بالعقد الأول
فلا يشترط ـ وفقاً لهذا الإتجاه ـ لتطبيق قواعد المسئولية التعاقدية أن يرتبط المسئول والمتضرر معاً بعلاقة تعاقدية مباشرة ، بل يكفي أن يرتبط المضرور بعلاقة تعاقدية أخرى مرتبطة بالعلاقة الأولى ، بأن كان الغرض من العلاقتين تحقيق مصلحة مشتركة أو كانا يردان على مال واحد ، فالعبرة في تحديد الطرف التعاقدي الذي يستفيد من المسئولية التعاقدية ، وفقاً لهذه الإتجاه ن ليس بكونه متعاقداً وإنما بكونه مستفيداً
تطبيقاً للإتجاه السابق فقد قضت بعض المحاكم الفرنسية أن ربالعمل يمكنه الرجوع على المقاول من الباطن عن الأضرار التي لحقت به من جراء إخلال هذا الأخير بأحد إلتزاماته ، بمفتضى قواعد المسئولية العقدية المباشرة
ولكن محكمة النقض الفرنسية انتهت إلى رفض الأخذ بهذا الإتجاه في مجال عقد المقاولة على خلاف العقود الناقلة للملكية