القاهرة: إيمان مطر
"قل لي أين تسكن عند قضاء اجازتك في مصر، أقل لك ما هي جنسيتك"، ظلت تلك المقولة سارية حتى أعوام قليلة مضت، وعلى وجه الدقة قبل العامين ونصف العام الفائتين، ولكن حدثت تغيرات مثيرة أدت الى اختلاف التفضيلات السكنية لبعض الجنسيات العربية في العاصمة المصرية مدفوعة كما يقول حماد عبد الله الاستشاري والعميد الأسبق لكلية الفنون التطبيقية، بعوامل أساسية أهمها: تزايد الزحام في المناطق التقليدية التى اعتاد هؤلاء السكنى فيها بل وتدهور بعضها حضريا، والتغيرات السريعة في خطط التطوير العقاري المصرية والتي بدأت منذ تدفق الأموال العربية بعد سبتمبر ( ايلول ) 2001 على مصر. ووصلت الى الذروة مع إصلاحات حكومة احمد نظيف ومع ظهور شركات مصرية وعربية قوية في مجال التنمية العقارية وأخيرا مع ظهور فئات جديدة من الجمهور العربي الراغب في إقامة طويلة بالقاهرة مثل اللبنانيين والعراقيين – للظروف المعروفة - وأهل المغرب العربي بخاصة في حالات الزواج، وفي حالات نادرة للدراسة. تاريخيا، كانت منطقة المهندسين من أكثر المناطق جذبا للجنسيات الخليجية، مثل السعوديين والكويتيين والاماراتيين ولكن عندما بدأت تتبلور نوعية الحياة الجديدة في "كومباوندات" مدينتي الشيخ زايد والسادس من أكتوبر، حيث الامتداد الطبيعي لمنطقة المهندسين بالجيزة، بدأت جنسيات خليجية مثل الاماراتيين تميل لقضاء اجازاتها في أجواء الهدوء والاسترخاء والمساحات الخضراء وتتجه الى هاتين المدينتين وقد ساعد على ذلك التحاق الكثيرين من ابناء منطقة الخليج للتعلم في الجامعات الخاصة بمدينة السادس من اكتوبر مما جعلها الاقرب الى الذهن عند طرح المكان الملائم لاجازة العائلة. وتتراوح اسعار الايجار ما بين 2000 جنيه (363 دولارا) الى 3000 جنيه (545 دولارا) في الشهر للوحدة السكنية الفاخرة و20 الى 25 ألف جنيه (4545 دولارا) للفيلا. أما المتغير الأكثر أهمية فهو كما يقول السمسار أسامة حسين نزوح "عدد كبير من العراقيين للاقامة في مصر ومزاحمة الخليجيين للتملك في مناطق كثيرة وفي مقدمتها مدينة السادس من أكتوبر لان المخزون العقاري بها من الوحدات المتباينة المساحات شجع على ذلك" ، واضاف نزوح أنهم اثروا بشدة على الأسعار بالمدينة، خاصة ان جماعات منهم معها أموال كثيرة اكتشفت بسرعة إن القطاع العقاري يحقق لأصحابه عوائد استثنائية في المرحلة الحالية، لذا لجأ كثير منهم لشراء الشقق كوسيلة للاستثمار وبعضهم يقوم بتجميع الاموال لشراء مجموعة من الشقق دفعة واحدة مثل 10 او 20 شقة ثم يقومون ببيعها بعد ذلك باغلى مما اشتروها بنسبة 50% على الاقل. وقد تركزوا في الاماكن القريبة من طريق المحور الرابط بين القاهرة ومدينة السادس من اكتوبر والحيين الأول والرابع بالمدينة . وإذا كانت السادس من اكتوبر مدينة مستمرة في النمو العمراني وقادرة نسبيا على استيعاب الإقبال فان الأمر غير متاح لمنطقة المهندسين كما يقول خالد محمد السمسار بالجيزة، فهي منطقة مغلقة وكانت المكان المفضل للخليجيين لسنوات طويلة وأدت مضاربتهم على الأسعار الى ارتفاعها بصورة مبالغ فيها، فمنذ عام واحد فقط كانت الشقق الممتازة تباع في منطقة المهندسين بسعر لا يتعدى الـ 750 الف جنيه ( 136 الف دولار) اما الآن فالسعر يتراوح بين المليون والمليون و200 الف جنيه. اما الشقق العادية فلم تكن تتعدى الـ 450 الف جنيه (82 الف دولار) ولكن نظرا للمضاربة التي تحدث حاليا من العراقيين على الشقق ارتفعت هذه الفئة الى 750 الف جنيه ومنهم من يضارب ليصل بالثمن الى المليون جنيه حتى ان بعضهم بدأ في الاتجاه الى منطقة ارض اللواء وهي المنطقة الشعبية المجاورة للمهندسين. وقد نجا من هذه المضاربة السعوديون والسوادنيون المالكون لشقق في المهندسين منذ سنوات طويلة. ويضيف خالد إن جزيرة الزمالك لم تشهد هذا الهجوم العراقي وما زالت تقتصر على الجنسيات الاجنبية وبعض الكويتيين والسعوديين المالكين لشقق منذ الستينات والسبعينات. أما منطقة الهرم فقد شهدت هجوما كاسحا من العراقيين ما دفع اللبنانيين والسوريين وهما الجنسيتان اللتان كانتا تفضلان هذه المنطقة الى الابتعاد للسادس من اكتوبر فارتفعت الاسعار لتتراوح ما بين 100 الف الى 500 الف جنيه لشقق كانت اسعارها تتراوح منذ عام مضى بين 50 ألفا الى 100 الف جنيه. ونظرا لامتلاكهم السيولة النقدية ومحاولتهم الاقامة الدائمة بنواحي الهرم فقد بدأوا في اقامة المخابز وافتتاح الملاحم والمقاهي. وعن منطقتى كوبري وسراي القبة في شرق القاهرة (قريبتين من القصر الجمهوري هناك) يقول إميل جورج السمسار بمصر الجديدة، إنهما لم تجذبا أحدا، لكن يتغير الامر بصورة تامة عند الاقتراب من منطقة منشية البكري وهي المنطقة التي كان يعيش فيها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وتعتبر المدخل الطبيعي لمصر الجديدة، وكانت المفضلة لكثير من الخليجيين، فقد ارتفعت فيها الايجارات بصورة كبيرة عن العام الماضي حيث وصلت الى 300 و400 جنيه في اليوم الواحد، فيما لم تصل في العام الماضي الى 200 جنيه. وكلما اتجهنا شرقا كما يشير إميل، انخفض إقبال الخليجيين على السكن في مصر الجديدة ومدينة نصر واللتين يفضلهما الليبيون، خاصة في شارع صلاح سالم وهو احد الشوارع الرئيسية لمدينة نصر، خصوصا من يعملون منهم في القوات المسلحة والحكومة الليبية والقادمين لتلقي دورات في المعاهد المصرية. فقد كان سعر التأجير في اليوم 150 جنيهاً في العام الماضي اما هذا العام فقد ارتفع ليصل الى 250 جنيها في اليوم. أما منطقة مصر الجديدة فيفضلها بعض الاماراتيين والكويتيين نظرا لكونها منطقة تجارية بالاضافة لقربها من وسط المدينة وتتركز الاقامة فيها في منطقة روكسي. اما العراقيون والفلسطينيون فيسعون الى الاقامة بالقرب من الميادين العامة بها مثل ميدان المحكمة والنزهة وسور الكلية الحربية وهي اماكن هادئة بالمقارنة بمنطقة الهرم. وقد ادى ذلك الى ارتفاع الاسعار في تلك المنطقة من 300 الف جنيه للشقة الى 900 الف جنيه. ويختلف الوضع بالنسبة لأحياء أخرى ارخص بعض الشيء بمدينة نصر اتجه إليها العراقيون أيضا، لكن محدودي الدخل مثل زهراء مدينة نصر فقد كانت الشقة بمساحة 65 مترا سعرها 70 ألف جنيه أما الآن فقد بلغت 85 ألفا والشقة بمساحة 81 مترا في منطقة التجمع الأول بـ 90 ألفا بلغت 110 آلاف جنيه. ويشير حاتم نصار المدير بمجموعة شركات طلعت مصطفى الى إن العرب لم ينتبهوا الى القاهرة الجديدة إلا بشكل متأخر، لذا لم يتمكن الطالبون من العثور على ما يريدونه من وحدات او فيلات، لكن الملاحظ ان إقبال الاماراتيين والسعوديين على مدينة تحت التنفيذ مثل "مدينتي" كبير جدا ويعلل ذلك بأن بعض العرب الذين سكنوا "الرحاب" (شمال القاهرة وعلى طريق السويس) من قبل راق لهم هذا النموذج السكني وقد شدهم أكثر التطوير الكبير الذي ادخل على "مدينتي" ويلمح الى ان مدينة الشروق- على طريق القاهرة السويس وتقابلها "مدينتي" - ومدينة العبور على طريق الإسماعيلية وتعتبران الامتدادات الطبيعية لمصر الجديدة ومدينة نصر، شهدتا أيضا إقبالا كبيرا من العراقيين والمصريين العاملين في الدول العربية، ما أدى لحدوث طفرة في الاسعار، فمنذ عشرة اشهر فقط كانت الاسعار تتراوح بين 200 الى 220 الف جنيه للشقة (150 مترا) أما الآن فلا تباع بأقل من 350 الف جنيه. كلام الصورة : منطقة المهندسين في القاهرة لم تعد المفضلة عند العرب ( "جريدة الشرق الأوسط").