جريدة الشرق الاوسط -لقاهرة: إيمان مطر
بعد اختفاء دام أكثر من عشر سنوات عادت ظاهرة "المشاركة في البناء" لتفرض نفسها على سوق العقارات المصري وذلك بدعم من الظروف الراهنة المتمثلة في ارتفاع مستمر في أسعار الأراضي ومواد البناء. كانت الصورة القديمة للظاهرة هي تجمع عدة أشخاص والاتفاق على ضم مدخراتهم إلى بعضها بأنصبة محسوبة أو متساوية لشراء منزل قديم بأحد الأحياء القديمة وهدمه (أو أكثر من منزل في منطقة واحدة) وإعادة بنائه في صورة برج سكني عملاق. وقد تجلت تلك الظاهرة في حي شبرا الشهير بالقاهرة بصورة كبيرة، أما الصورة الحالية فلا تتعدى مشاركة شخصين وهما صاحب الأرض أو المنزل القديم بأرضه مع المقاول الذي يقوم بعملية الهدم والبناء. ويضع المقاولون العاملون بهذا الأسلوب بعض الشروط لقبول مبدأ المشاركة فلا بد أن يتمتع مكان الأرض أو المنزل القديم المراد هدمه وبناؤه بموقع متميز، حتى يتم ضمان تسويق الوحدات السكنية في أقل وقت ممكن كما أوضح مدحت فهمي رئيس مجلس إدارة إحدى شركات المقاولات العاملة في هذا المجال. وقد وصف فهمي العملية بالمربحة للطرفين، فصاحب الأرض لا يتحمل أية تكلفة في البناء وكذلك في استخراج التراخيص، وفى النهاية يحصل على عدد من الوحدات السكنية متفق عليه فيقوم ببيعها بنظام التمليك فتعود إليه أمواله مرة أخرى، أما المقاول فيستفيد من وجود الأرض جاهزة فيستغل السيولة النقدية التي يملكها في عملية البناء، بدلا من استنفادها في ثمن الأرض، على أن يقوم باستخراج التراخيص اللازمة، وفى النهاية يقوم ببيع الوحدات السكنية الخاصة به.
ويوضح مدحت فهمي كيفية تحديد كل من الطرفين لنسبته المالية في المشاركة بقوله: إذا كانت قطعة الأرض مساحتها 500 متر ×600 جنيه (أو أكثر أو اقل بحسب الموقع) تكلفة المتر في المبنى كله×عدد الأدوار بشرط احتساب وضع الأساسات في الأرض دورا سكنيا وبذلك تظهر التكلفة الكلية ومن هنا نستطيع استخراج النسبة التي سنحصل عليها. ويضيف فهمي لا نقبل العمل في الأحياء القديمة فسكانها لم يستوعبوا بعد هذا الأسلوب في البناء باستثناء منطقة مصر الجديدة، أما نشاطنا فيتركز في المدن الجديدة خاصة مدينتي السادس من أكتوبر والتجمع الخامس، حيث أودع المصريون العاملون في الخليج جزءا من مدخراتهم في الأراضي ويريدون بناءها من دون تعب أو مشقة أو جري ورا ء المقاولين أو عمال التشطيبات. وهؤلاء العاملون هم الفئة الأكثر إقبالا على نظامنا في الوقت الذي لا يحبذ فيه العرب هذا الأسلوب فهم يفضلون شراء الوحدات السكنية جاهزة.
أما ماهر سليم فهو مقاول حصر نشاطه في منطقة حدائق الأهرام ولا تقل نسبته في المشاركة عن 45% وذلك بعد إجراء معادلة لا تختلف كثيرا عن سابقتها ويقول "يعتبر المصريون أكثر الفئات إقبالا على هذا النظام فنبدأ في مناقشة مساحة الأرض وقيمتها وعندما نصل إلى اتفاق نكتب به عقدا ونبدأ في استخراج التراخيص اللازمة، وقد سهلت نسبة المشاركة بين شخصين فقط الإجراءات عما كانت عليه في الماضي عندما كان يتشارك أكثر من شخص للبناء ولا يوجد موسم خاص لهذا النوع من العمل، فجميع فصول العام موسم طالما أن هناك ارضا ورأس مال دائم لدى المقاول فلماذا الانتظار لشهور معينة للبناء؟" ويعمل ماهر برأس مال حدده في مبلغ مليون و300 ألف جنيه حيث يعمل في إنشاء عمارة تلو الأخرى.
ولا يريد أن يدخل في أكثر من عملية بناء حتى لا تتعقد الأمور بالنسبة إليه. ولا يعتقد بأن نسبة المشاركة بالنصف تقريبا التي يحصل عليها نسبة مرتفعة ويدافع عن ذلك بالقول "ان صاحب الأرض قد اشتراها منذ فترة بثمن قليل وقد وفر على نفسه عناء تكاليف البناء في مقابل بعض الشقق أبيعها لحسابي في الوقت الذي يحصل فيه هو على شقق كما يقولون "على الجاهز" ويبيعها فتعود إليه أمواله أضعافا مضاعفة".
ويصنف رشاد عبد اللطيف مستثمر عقاري ورئيس شعبة الاستثمار العقاري بجمعية مستثمري مدينة السادس من أكتوبر الظاهرة بأنها جيدة وصحية فهي أفضل من ترك الأرض من دون بناء وتسقيعها لبيعها بأسعار مرتفعة والمضاربة، كما ان المشاركة تساهم في حل أزمة الإسكان بواسطة طرحها لوحدات سكنية بصورة مستمرة وبأسعار في متناول الجميع.
ويدق رشاد عبد اللطيف ناقوس الخطر من سياسة المزادات العلنية على قطع الأراضي التي تتبعها وزارة الإسكان المصرية حاليا وأدت إلى ارتفاع شديد في أسعار تلك الأراضي ومضاربة السماسرة للفوز بها، خاصة في المناطق، الرابعة والخامسة والسادسة بمدينة السادس من أكتوبر ويرى بأنه لا بد أن تعالج الدولة الثغرات الناتجة عن هذه السياسة حتى يتسنى تشجيع البناء على الأراضي وتوافر شقق على مدار العام.
ويرى المهندس صلاح حجاب الخبير الاستشاري المعماري بأن عودة نظام المشاركة في البناء ظاهرة ايجابية بدلا من ترك الأرض فضاء، وينوه إلى قانون يتم تنفيذه في انجلترا حاليا وهو فرض رسوم سنوية على الأرض الفضاء نظرا لتكلفة الدولة توصيل مرافق لتلك الأرض.
وبالتالي لا بد ان يتم بناؤها والاستفادة منها وقد كان هناك قانون مصري يلزم بدفع رسوم بنسبة 2% على الأرض الفضاء وقامت المحكمة الدستورية العليا بإلغائه، ولم تعد الحكومة بغيره، وبذلك انفتح الباب على مصراعيه لتسقيع الأراضي (احتكار شراء الاراضي وتجميدها لبيعها لاحقا) والمضاربة عليها ويضيف ان المشاركة ظهرت بقوة في المدن الجديدة بعد تخوف ملاك الأراضي من سحب الدولة للأرض نتيجة عدم بدئهم في بنائها فاضطروا إلى مشاركة آخرين وفى ذلك مصلحة لكل الأطراف.