جريدة الشرق الاوسط
لقاهرة: مروة مجدي
«تماثيل على الترعة وأوبرا في كل قرية عربية»، «حمام سباحة لكل مصري» مسافة كبيرة بين حلمين، تماثل نفس المسافة الزمنية التي تفصل الستينات وصلاح جاهين صاحب الكلمات الأولى، وبين العصر الحالي والمهندس احمد المغربي وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة، صاحب المقولة الثانية. سقطت أحلام فترة المد القومي فما الذي يضمن يا ترى ألا تلقى أحلام الليبرالية الاقتصادية الحالية ذات المصير؟
إنها الشراكة بين القطاع الخاص والحكومة (p.p.p)، فلدى الفريق الاقتصادي المصري الراهن إيمان شديد بقدرة هذا النوع من التوجهات على تحقيق انجازات كبيرة في كل القطاعات ومن دون إرهاق الموازنة العامة المنهكة بالأصل، وكذا تفادي سلبيات الخبرة الدولية في ترك المسؤولية بالكامل على القطاع الخاص خاصة في مجال مثل الإسكان. والجديد هنا أن الرهان على القطاع الخاص يمتد أو يحاول بذكاء أن يمتد إلى إسناد مهمة إقامة المساكن لمتوسطي ومحدودي الدخل في مصر إلى القطاع الخاص وفق المنهج السابق، ولأن الأخير غارق حتى أذنيه حاليا في مشروعات الإسكان الفاخر والمشروعات العقارية السياحية فان الوزير أحمد المغربي، الذي كان رجل أعمال ذائع الصيت في المجال السياحي ورئيسا للاتحاد المصري لشركات السياحة قبل أن يتولى الوزارة، يحاول أن يستدرج الشركات الخاصة إلى حقل الإسكان عبر إطلاقه شعار «حمام سباحة لكل مصري»، والذي يعنى أن لدى هذا البلد أو هذه الحكومة إصرار على إدخال الفقراء إلى سوق الطلب الاسكانى وإيجاد أساليب لتلبية هذا الطلب، مما يعنى ضمان تحقيق مكاسب للقطاع الخاص لمدة عشرين عاما قادمة، حيث تبلغ فجوة المساكن المتوسطة الآن نحو 150 ألف وحدة على الأقل، سنويا، (يبلغ عدد عقود الزواج السنوية أكثر من 300 ألف)، فضلا عن الفجوة التراكمية، فما بالك لو تحسن مستوى معيشة الفقراء ليدخلوا ساحة الطلب على الإسكان الفاخر وحمامات السباحة ... تخيل مقدار مكاسب القطاع الخاص وقتها في بلد سكانه 75 مليون نسمة.
يردد الوزير المغربي كثيرا في الفترة الأخيرة شعار «حمام السباحة» إلا أنه اكتسب معنى خاصا حين أعاد طرحه أمام المؤتمر الدولي لتبادل الخبرات الدولية في مجال الإسكان منخفض التكاليف الذي عقد مؤخرا بالقاهرة. بعض الخبراء والمختصون قالوا إن الشعار ينطوي على مبالغة شديدة، بل ومن «رابع المستحيلات»، في ظل اختلالات قوى السوق العقاري وتدنى مستويات المداخيل. وقدر من جانبه عمرو عزت سلامة رئيس مركز بحوث الإسكان والبناء الحاجة الإسكانية في مصر بنحو 220 ألف وحدة سنويا حتى عام 2017 لسد الفجوة الحالية. يُعَدْ الحصول على مسكن يتكون حجرتين ودورة مياه أقصى طموح شعبي، لكن الدولة ممثلة في وزارة الإسكان تتحدث عن جديد هو بناء عشرات الآلاف من الوحدات بمساحة 40 متراً أي غرفة وحمام (ستوديو فلات)، فكيف يلتقي الفكران الحكومي والشعبي؟
ينطلق الوزير المغربي من الشعبي أيضا ويردد هو الآخر المثل الشعبي «على قد لحافك مدد رجليك» ويؤكد للناس أن الفارق بينه وبين غيره انه يريد أن تكون المساكن الجديدة مجرد مرحلة في حياتهم وأنها عملية وان الثقافة في العالم كله تتجه إلى هذا المسلك لتوفير الخصوصية التي ينشدها الكل دون إرهاق مالي، وبعد أن تتطور قدرات الأشخاص مع تطور نمو الاقتصاد سيسألون عن وحدات أوسع وصولا إلى أن يطالبوا بحمامات سباحة. وأعاد وزير الإسكان إنتاج مثل هذه الأفكار بأوضح صورة في المؤتمر الذي انتهى في 31 مايو (أيار) الماضي، وفى سجالات خاصة جانبية مما أثار اندهاش المهندس السعودي خالد بن فوزان من كيفية أن يعيش الإنسان العربي في مساحة 40 متراً وهو أبو الجود والكرم والضيافة، وأشار إلى تجربتهم في الحي السكني الخامس في مشروع الأمير سلمان بن سعود للإسكان الخيري بالمزاحمية التي تقع على بعد 30 كم من الرياض حيث مساحة الوحدة 207 أمتار مربعة مما أثار في المقابل اندهاشا عكسيا من الحضور الأجانب من لندن والسويد وأمريكا والصين قبل المصريين إذ تشيع في هذه الدول أنماط من «الاستوديو فلات» التي تبدأ من 10: 30 مترا بحد أقصى.
كان التجمع الدولي معنيا بالأساس بتبادل الخبرة في كيفية خفض تكاليف التصميمات المعمارية والتخطيطية وعمليات إنشاء وتشطيب المساكن لمحدودي الدخل، لكن المؤتمر امتد إلى مناقشة السياسات والتوجهات وكيفية جعل السياسات السكانية المصرية أو العربية تنسجم مع الموجود في العالم وتتيح للقطاع الخاص أوسع مشاركة في التنفيذ، وصرح المغربي أنه نظرا لصعوبة جذب المستثمرين لإقامة إسكان منخفض التكاليف، نسعى لاستقدامهم من خلال التكنولوجيا المتقدمة، التي تسهم في توفير الوحدات السكنية المطلوبة بأقل تكلفة وأسرع وقت، وأضاف أنه يسعى لكي تتم مشاركة القطاع الخاص ببناء وحدات سكنية للتمليك عبر منح أراض للمستثمرين بأسعار مخفضة بالمدن الجديدة، مقابل أن يعيدوها مساكن بمواصفات محددة أو يقوموا بتوزيعها وفق سياسة تضعها الدولة لتصل الوحدات إلى المستهلكين الأكثر احتياجا، على إن يظل على الدولة القيام بمد المرافق لها، مثل خطوط الصرف الصحي والكهرباء وغيرها دون أن تبنى، ويتولى القطاع الخاص التمويل والبناء.
التوجه السابق عبر عنه رئيس المؤتمر المعماري عبد المحسن برادة صراحة بالقول: «الدولة تنتهج أساسا علميا في برنامجها الإسكاني من خلال تحجيم القيام بالبناء المباشر وتحفيز القطاعات الأخرى، وأن العبء الأكبر الذي يقع على الدولة يتمثل في خلق بيئة مناسبة للعمل في هذا الإطار والقيام بدور الرقيب على التراخيص والجودة والالتزام بالعقود».
وعرضت شركة «أوراسكوم للإسكان التعاوني»، التابعة لمجموعة «أوراسكوم»، نموذجا لبناء وحدات إسكان منخفض التكاليف بتصميمات معمارية مختلفة عن السائد في مساحة لا تتجاوز 63 مترا مربعا بمشاركة شركات أخرى، وكان واضحا أن الوزير أراد بهذا العرض أن يوضح عمليا ما الذي يهدف إليه، خاصة أن هذه الشركة ستقدم المساكن بنظام مبسط للتمويل العقاري.
وكان من أبرز التوصيات التي خلص إليها المؤتمر الذي استمر لمدة 3 أيام وناقش 27 بحثا قدمها21 من الخبراء العالميين والدوليين في مجال الإسكان أن يتحول دور الدولة من مقدم للإسكان إلى ميسر وممكن، حتى يستطيع السكان تقديم الخدمة لأنفسهم، وأضافت التوصيات أنه يجب أن ينصب دور الدولة في الاهتمام بتوفير الأراضي ومواد البناء والقروض والتشريعات لتيسير مشاركة القطاع الخاص والأهلي، وضرورة تفعيل المشاركة الشعبية للمساهمة في مشروعات الإسكان، وكذلك تفعيل نظام التمويل العقاري وخفض معدل الفائدة التي تصل إلى 12% في مصر مقارنة، بدول أخرى نضجت فيها التجربة تتراوح أسعار الفائدة بها ما بين 4% و 6%.
* تجربة سعودية في الإسكان المنخفض التكاليف
* توقع المهندس سعد بن خالد الفوزان مدير إدارة الدراسات والتصاميم في مشروع الأمير سلمان للإسكان الخيري، أن يؤدى المشروع السكنى المقام في منطقة المزاحمية الواقعة على مشارف الرياض وعلى مساحة 325 ألف متر مربع، إلى رفع سعر المتر في المناطق المحيطة إلى أكثر من الضعف، وقال إن سعر المتر وصل إلى ما بين 5 و30 ريالا في المزاحمية القديمة في حي المعارض القديم حيث أنها تصلح للاستغلال الزراعي.
وأشار الفوزان خلال عرض المملكة العربية السعودية تجربتها في الإسكان المنخفض التكاليف لمحدودي الدخل إلى أن فكرة الحيز «المغلق» المتبعة في الحي السكني الخامس بمحافظة المزاحمية غير ملائمة اجتماعيا أو نفسيا، ولا تناسب التطور العصري في حال إذا كانت الإقامة دائمة، موضحا أن فكرة المشروع تقوم على الإقامة المؤقتة بحد أقصى خمس سنوات، تنتقل بعدها الأسرة إلى مكان أخر طواعية، بعد أن تستطيع ماديا بناء مسكن آخر.
واستطرد الفوزان بأن فكرة الحي المغلق تقوم على أساس توفير فراغات شبه خاصة على مستوى المجموعة السكنية، مضيفا أنها تساعد على مراعاة الفوارق في السن والثقافية والجنسية بين السكان عند توزيع الوحدات السكنية لتحقيق التجانس الاجتماعي، وذكر أنه تمت مراعاة الجوانب الاجتماعية أثناء تخطيط المجمع وتصميم الوحدات السكنية والمرافق كالمساجد والمدارس والحدائق والملاعب المفتوحة والمحلات التجارية لتقليل تكاليف النقل. ولفت إلى مراعاة المشروع للطابع العمراني للمدينة العربية، والتدرج الهرمي للشوارع بالإضافة إلى قلة التقاطعات. ونوه فوزان إلى أن فكرة المشروع تقوم على تقليل عرض طلة الوحدة السكنية على الشارع، وذلك لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الوحدات، وتبلغ مساحة الوحدة السكنية 206.5 متر وتم تخفيض تكاليفها باختيار مواد بناء مناسبة ذات سعر منخفض مع المحافظة على الجودة، واختتم عرضه بالقول إن التجربة تقوم على مبدأ تنمية الإنسان من خلال الإسكان.