جريدة الاقتصاديه
فواز بن حمد الفواز - كاتب سعودي 06/12/1427هـ
fawazhf@yahoo.com ظهرت إحصائية مهمة لم تعط الاهتمام المستحق, حيث ذكرت مصلحة الإحصاءات العامة انخفاض معدل الخصوبة الإجمالي للمرأة السعودية من 7.3 مولود لكل امرأة من عام 1970 ـ 1975 إلى 4.1 مولود لكل امرأة خلال الفترة من 2000 ـ 2005, علما أن المتوسط العالمي هو 4.5 مولود لكل امرأة. تظهر أهمية هذه الإحصائية من منطلق أن أحد المعطيات والمؤشرات الاقتصادية بعيدة المدى يأتي من خلال النمو والتركيبة السكانية.
هذا الانخفاض الحاد في أحد أهم مؤشرات النمو السكاني في فترة وجيزة تاريخيا وضد ما هو متوقع ومعروف اجتماعيا بأن هناك نموا سكانيا مطردا وعاليا بجميع المقاييس العالمية. يحمل هذا التغيير نتائج اجتماعية واقتصادية وحتى سياسية يجب الانتباه والتخطيط تباعا لها, فهذه سوف تفاجئ حتما القائمين على مهام التخطيط في المملكة وتحملهم عبئا إضافيا غير متوقع حتى سنوات قليلة مضت, حينما كان التوجس من النمو السكاني العالي هو الغالب.
تبدأ المهمة في القيام بسياسة سكانية تساعد على تحكم وسيطرة أفضل على التحولات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد. تاريخيا تعطي الحكومة درجة عالية من عدم التدخل في النمو السكاني والتخطيط العائلي, سواء بغرض الحد أو النمو, فيما قامت الحكومة بجهود في مجال الرعاية الطبية ومع التطبيق المنطلق من الشريعة في مسألة الإجهاض أو النجاح في الحد من موت الأطفال في عمر مبكر, وهذه لها تداعيات على النمو السكاني والتركيبة السكانية.
قد تكون هذه السياسة الحيادية والرعوية الأبوية مناسبة, ولكن مرة أخرى تتدخل التغيرات الواضحة في الضغط على بعض النواحي الاجتماعية والاقتصادية, وبالتالي الاستراتيجية لإيجاد سياسة تكون أهم عناصرها الحفاظ على ملاءمة تحولات اقتصادية ومالية مواتية مع الظروف السكانية الجديدة, وكذلك على مركز المملكة الإقليمي اقتصاديا واستراتيجيا من خلال وضع سكاني مناسب ومتناسق مع الأهمية الاستراتيجية العمرية في المجتمع, خاصة حينما يكون انخفاض نسبة النمو السكاني سريعا ومفاجئا. أحد التداعيات في ذلك ينبع من مسؤولية ارتفاع حتى الفاتورة الصحية للمجتمع, حيث تحتاج الفئة العمرية الأكبر سنا إلى خدمات ورعاية صحية أعلى, وكذلك تزايد الطلب على التدفقات النقدية من صناديق التأمينات والتقاعد وقلة الأعداد التي تدخل سوق العمل, ما يسبب فجوة بين ما يدفع ويستثمر في هذه الصناديق.
العنصر الآخر المهم في هذه المعادلة يظهر في تركيبة السوق العمالية في المملكة, فالمملكة لديها نحو 6.2 مليون أجنبي مقابل 16.8 مليون نسمة (المواطنين) طبقا لتقديرات 2005, وهذه نسبة عالية جدا, ولذلك فإن أي نقص في النمو السكاني السعودي سيزيد من حالة عدم التوازن هذه, بما تحمل من نتائج عملية على المجتمع اقتصاديا وعدة نواح أخرى. ومما يزيد الموضوع إلحاحا أن مستوى الإنتاجية لدينا ليس عاليا ولذلك فإن أي تناقص حاد في العدد أو تشوه في التركيبة السكانية سوف يزيد الضغوط المالية والاقتصادية.
الجدير بالذكر أن هذه الظواهر بدأت تتسارع في عدة دول نامية, فعلى سبيل المثال, نجد أن كوريا بدأت تلحق سريعا باليابان في الاقتراب نحو التناقص الفعلي في السكان, وحتى الصين بدأت تلوح هذه المسألة كأحد الموضوعات المهمة. اليابان ستواجه تناقصا في عدد السكان هذه السنة, حيث إن نسبة نمو الخصوبة بلغت نحو 1.3 في المائة بينما يتطلب أن تكون النسبة نحو 1.5 في المائة للحفاظ على عدد ثابت من السكان, ناهيك عن التغير في الفئات العمرية, وحتى إقليميا بدأت هذه الظاهرة في البروز, ولعل الكويت من الأمثلة الواضحة.
استراتيجيا, المطلوب اليوم هو العمل على أخذ هذا العامل في الحسبان كأحد العناصر المهمة في برامج التنمية الاستراتيجية, ولعل أولها استراتيجية سكانية واضحة المعالم وفي تناسق مع السياسة الاقتصادية للمملكة. المزعج في السياسة السكانية أنها بعيدة المدى, حيث تعطي البيروقراطي فرصة على الرهان في التملص من المسؤولية ومزعجة في مدى خطرها إذا لم تعط ما تستحقه من أهمية.